جميل راتب.. سافر للعلاج فى باريس حاملا معه حلم العودة للإخراج

جميل راتب.. سافر للعلاج فى باريس حاملا معه حلم العودة للإخراج

• انتهى من كتابة سيناريو فيلم روائى طويل عن «أولاد الشوارع» ومحنته المرضية أوقفت رحلة بحثه عن مصدر تمويل
• الفنان الكبير يعتبر نفسه خادما للفن والثقافة.. ويرى «العمر الفنى» للباحث عن الشهرة قصير
• يتبرأ من أفكار عائلته الارستقراطية.. وعلاقته بالسياسة بدأت حينما اقترب من حياة الفقراء
فور وصوله إلى العاصمة الفرنسية باريس لمواصلة رحلة العلاج بعد أن تأثرصوته كثيرا، ظهر الفنان الكبير جميل راتب فى فيديو قام بنشره هانى التهامى، مدير أعماله عبر صفحته الخاصة على الفيسبوك، ليطمئن الجمهور على حالته الصحية، موجها كلمة قصيرة لجمهوره ليؤكد استقرار حالته الصحية وسط دعوات محبيه بعودته سليما معافى لمصر، ووسط دعوات اصدقائه والمقربين له الذى ينتظرون اليوم الذى يحقق فيه حلمه فى إخراج أول فيلم روائى طويل يحضّر له منذ أشهر قليلة.

قد يندهش البعض ويشكك فى صحة هذا الكلام غير مصدق أن جميل راتب ذا الـ 92 عاما، لديه بالفعل مشروع لفيلم روائى طويل يحضّر له باعتباره مخرجا ومؤلفا أيضا، خاصة ان اللقاءات التليفزيونية التى ظهر فيها جميل راتب فى السنوات الاخيرة قبل تعرضه للوعكة الصحية الصعبة التى يمر بها حاليا، كان كثيرا ما يتحدث عن فكرة الموت، وكيف أنه اكتفى بما قدمه وفعله فى حياته الخاصة او فى الفن.

ولكن فى الحقيقة لم يكن جميل راتب يتبرع بالحديث عن الموت وحالته الصحية، بل كان يفاجأ بنوعية أسئلة تدور معظمها عن سنه وصحته وكيف يستعد للموت، وهو ما دفعه لكى يقول بأحد البرامج مستغربا «أنا فى آخر عمرى الفنى والمرضى.. فلماذا تستضيفونني؟!!».

كما أن من يشعر بهذا الاندهاش فهو لا يعرف من هو هذا الفنان الكبير الذى تخلى عن حياة الثراء والنعيم من أجل عشقة للفن، ترك اسرته الارستقراطية واستبدل حلمهم بتنصيبه فى مكانة سياسية كبيرة، بحلمه ان يكون فنانا او كما يقول «خادما للفن والثقافة».

فالحقيقة ان جميل راتب ذا الـ 92 عاما الذى يستخدم كرسيا متحركا فى تنقلاته، كان يستعد بالفعل لإخراج فيلم من تأليفه، وهو أيضا الذى كتب السيناريو والحوار ليعبر عن وجهة نظره الخاصة فى القضية التى يناقشها الفيلم وهى عن أولاد الشوارع، من خلال صبى يتيم اضطرته الظروف ليعيش فى الشوارع، ويرصد العمل معاناة هذا الطفل وما يلاقيه من صعوبات ومشاكل لا حصر لها.
وبعد انتهائه من كتابة السيناريو والحوار، بدأ جميل راتب رحلة البحث عن مصدر للتمويل، وكان امامه خياران إما وزارة الثقافة المصرية او الفرنسية، وكان متحمسا بشدة لهذا الفيلم وتحدث عن تفاصيله كثيرا لصديقته الفنانة الكبيرة نادية لطفى أثناء زياراته لها، وتناقش الفنانان الكبيران عن تفاصيل العمل والاسباب التى دفعته للتفاعل مع هذه الحدوته ورؤيته فى كيفية اخراجه.

لكن حالت الأزمة الصحية التى تعرض لها مؤخرا من تحقيق الحلم، وبدأ رحلة علاج بأحد المستشفيات الخاصة بمصر، قبل ان يقرر مؤخرا استكمال علاجه بالعاصمة الفرنسية باريس، تلك المدينة التى عاش سنوات طويلة فيها، شهدت قصة حبه وزواجه، كما شهدت مرحلة فنية هامة فى مشواره الفنى.

أما عن إجابة السؤال الذى قد يطرأ على الاذهان كيف يسعى جميل راتب لإخراج فيلما معظم مشاهده خارجى مما لا يتناسب مع حالته الصحية.. فقد أجاب جميل راتب بنفسه عن هذا السؤال وهو يحكى قصة حياته فى أكثر من مناسبة، فمنذ أن تعرّض لأزمة مالية صعبة اثناء دراسته الفن بالعاصمة الفرنسية باريس، اثر غضب اسرته منه لترك دراسة العلوم السياسية كما كانوا يحلمون، فتوقفوا عن مده بالاموال اللازمة، ما اضطره للنزول للعمل فى مهن لم تخطر له على بال مثل جرسون بأحد المطاعم او «شيال» بأحد الاسواق الفرنسية، وتغيرت حياته رأسا على عقب، أو ربما سارت فى دربها الصحيح ــ كما أكد هو بنفسه ــ فطوال عمره لم يؤمن بأفكار اسرته الارستقراطية، التى تضم عددا ليس قليلا من الاقطاعيين الذين ينظرون للفقير نظرة دونية، وكان يشعر أنه ليس منهم، وحينما اقترب من الفقراء شعر بهمومهم، وتأثر بحالهم، وربما أدق وصف لما شعر به ما قاله بنفسه فى لقائه مع الفنانة إسعاد يونس فى برنامجها «صاحبة السعادة» اقتربت فى هذه المرحلة الصعبة من شريحة لم أكن يوما قريبا منها، وشاهدت بنفسى طبقة تعيش فى المجتمع ولكن يتم تجاهلها ونسيانها، ولم أكن من قبل لى أى علاقة بالسياسة، لكن حينما اقتربت من هذه الشريحة أصبحت واعيا بالسياسة ومهموما بمشاكل الناس، واعتبرت ان هذه المرحلة من أهم المراحل التى عشتها فى حياتى».

يقول الاصدقاء المقربون من جميل راتب إن احساسه الكبير بالناس خاصة الطبقة الفقيرة والكادحة لم يكن مجرد شعار، بل كان ايمانا كبيرا من جانبه، وكان هذا دافعا قويا له بأن يشارك فى ثورة 25 يناير، داعما لمطالب الشعب، فلم تكن هناك مشاكل بينه وبين نظام مبارك، لكن الشعب كان لديه مشاكل، وبما أنه مؤمن ان الشعب هو روح الوطن فكان لابد ان يعلن دعمه الكامل لمطالب الشعب وكذلك مشاركتهم فيما يسعون اليه.
وهنا تتجلى الصورة، فحينما تفاعل جميل راتب مع تجربة هذا الفيلم، لم يكن يبحث عن شيء يشغله، او فرصة للتواجد على الساحة الفنية فهو أعلن بنفسه عن تشبعه من الفن، إلى جانب انه لم يتوقف بشكل نهائى عن العمل، فظهر مؤخرا كضيف شرف فى مسلسل «بالحجم العائلى» مع الفنان يحيى الفخرانى، وتم ترشيحه للاشتراك فى بطولة فيلم «جريمة الايموبيليا» للمخرج خالد الحجر والذى اعتذر عنه.

فهو فى مشروعه الجديد لم يكن ينظر لنفسه، بل كان ينظر للإنسانية، فهو مهموم بهذه القضية الصعبة، التى نعانى منها دون وجود حل جذرى لها، نسى مرضه والامه ولم يشاهد سوى هذا الصبى الذى لم يرتكب أى جريمة سوى أنه ولد يتيما بلا بيت يأويه فكان الشارع ملاذه الوحيد وسط تجاهل كل المحيطين به وتعاملهم معه على أنه نكرة او ربما فيروس يجب القضاء عليه.
وتحمس جميل راتب لكتابة القصة بنفسه وأن يتولى هو إخراجها حتى يعكس رؤيته الخاصة ويستطيع التعبير عن رأيه فى هذه القضية بكل وضوح.

وجميل راتب ليس غريبا على مجال الإخراج، ربما لم يخرج أفلاما روائية من قبل، لكنه قام بإخراج العديد من المسرحيات، وعمل مساعد مخرج فى أكثر من فيلم بفرنسا، وحينما يُسأل عن أى من المجالين الأقرب لقلبه «التمثيل أم الإخراج» كان يميل للإخراج رغم أن أعماله كمخرج لم يكن نجاحها بنفس مستوى نجاح أعماله كممثل، لكن لأنه يؤمن ان الفنان ليس دوره ان تتصدر صورته الأفيش وتسلط عليه الاضواء، بل هو خادم للثقافة والفن، ويرى ان الممثل الذى يضع الشهرة والنجومية هدفا وحيدا له فعمره الفنى قصير ولن يجنى فى النهاية شيئا.