«يوم الدين» يمهد الطريق لمصر نحو أوسكار «أفضل فيلم أجنبي»

«يوم الدين» يمهد الطريق لمصر نحو أوسكار «أفضل فيلم أجنبي»

نقاد العالم أشادوا بالفيلم ومخرجه بعد عرضه في مهرجان «كان» كأحد أفضل الأعمال الإنسانية
26 صوتًا من أصل 41، حسمت اختيار فيلم «يوم الدين»، إخراج أبو بكر شوقي، ليمثل مصر في مسابقة أوسكار أفضل فيلم ناطق بلغة أجنبية، والتي تُعد الجائزة الأشهر في العالم.

مشهد اختيار الفيلم من اللجنة المشكلة بقرار من مسعد فودة نقيب السينمائيين، يعيد إلى الأذهان استقبال جمهور مهرجان «كان» السينمائي الدولي في دورته الأخيرة للفيلم المصري «يوم الدين» بتصفيق حار وإعجاب كبير، في ليلة عرضه الافتتاحي بمسرح لومير بقصر المهرجانات، وشارك ضمن المسابقة الرسمية للمهرجان.

فيلم «يوم الدين»، الذي يشهد مهرجان «الجونة» عرضه الأول في مصر في الفترة من 20 إلى 28 سبتمبر الجاري، يعرض تجاريًا في المنيا يوم 23 سبتمبر الحالي، وهو ينتمي لنوع من السينما لها واقعيتها الخاصة، أو بمعنى أصح يمكن أن تطلق عليها أنها تطورًا لواقعية سينمائية مصرية جديدة، فالفيلم يمزج بين عمق البعد الاجتماعي والإنساني لشخصياته، وبين حالة توهج لمفردات فنية رائعة بدءًا من الفكرة والأسلوب السردي لطرحها وطزاجة الأداء وبريق الصورة والموسيقى الموحية.

فهو يقدم لنا قصة «بيشوي» الرجل المسيحي، المصاب بالجذام منذ الصغر، بعد أن انتشرت التشوهات في وجهه، ويقوم أبيه بتركه أمام باب مستعمرة للمصابين بالجذام، ويتم إيداعه هناك ليعيش سنوات من عمره، بينما يعمل خلال اليوم، كجامع قمامة، وبعد وفاة زوجته يتحلى بالشجاعة ويقرر مغادرة المستعمرة لأول مرة منذ أن تم التخلي عنه هناك عندما كان طفلًا، ويبدأ الرحلة برفقة الطفل اليتيم «أوباما»، على عربة يجرها حمار، إلى مسقط رأسه بقرية بحور بالصعيد لمعرفة السبب الذي جعل والده يخلف وعده بالعودة من أجله، وخلال الرحلة يتعرض «بيشوي» و«أوباما» لمواقف عدة مليئة بالشجن والسخرية، والتساؤلات الحائرة حول القدر والتسامح والإيمان والظلم والقوى والضعيف والتدين الخادع.

ويكشف كيف تغير المجتمع، وكيف أن البيروقراطية المتوغلة في أجهزة حكومية وراء فقدان أشياء كثيرة حلوة وضياع مشاعر وحقوق، وهناك العديد من المشاهد الرائعة التي كانت بين «بيشوي» و«أوباما»، منها مشهد دفن الزوجة، ويسأل أوباما بشاي تفتكر هتتحساب «يقصد الزوجة» فيقول له بيشوي إن شاء الله تدخل الجنة، المرضى لا يحاسبون، وفي مشهد آخر عندما يلجأ بيشوي ليعمل «شحات» لكي توفير ثمن وجبة لأوباما، وهنا يلتف حوله شحات المنطقة الذي يطرده وبمجرد معرفة قصته يأخذه معه ويساعده على الركوب لأهله، بينما يقول له النشال، وهو يشرح له لماذا ينامون تحت الكوبري «سنكون جميعًا أسوياء يوم الدين.. وهي اللحظة الوحيدة التي نشعر فيها بالمساواة وبالحق والعدل».

العمل التراجيدي خففته بعض الجمل الحوارية التلقائية، التي انتزعت ضحكات الجمهور، وهو يشاهد بيشوي وقد نجح المخرج في أن يقود مجموعة من الهواة لم يسبق لهم احتراف التمثيل، ومنهم بطلنا بيشوي الذي جسده راضي جمال، وكذلك أحمد عبدالحافظ، وشهيرة فهمي وشهاب إبراهيم، ومحمد عبدالعظيم، منح المخرج أبطاله وبعضهم لا يعرف القراءة والكتابة مساحة للإبداع التلقائي، أراد أن يتعاملون أمام الكاميرا بصدق شديد، ونجحت كاميرا مدير التصوير الأرجنتيني فدريكو سيسكا في خلق صورة سينمائية مبهرة لواقع مؤلم.

وهي تترجم سيناريو جذاب كتبه أبو بكر شوقي أيضًا، جعلت المشاهدين في حالة انتظار مصير بيشوي، الذي بمجرد أن ذهب وشاهد أهله وأذاب مخاوفه من رفضه، قرر العودة هو وأوباما مرة أخرى إلى الحياة التي تعودوا عليها في المستشفى، وكانت بحق نهاية رائعة.

مشاركة الفيلم في مهرجان "كان"، محطة إيجابية كبرى، ويمثل عودة مصر الكبيرة، وهو ما يعنى أن مسئولي المهرجان وجدوا فيه شيئًا براقًا، فهم لا يجاملون أحد خاصة في الأعمال المشاركة في المسابقة الرسمية، بدليل أنهم لم يختاروا سوى 21 فيلمًا فقط من بين 900 فيلم تقدمت.

خلال مشاركته في مهرجان "كان"، أبرزت وسائل إعلام فرنسية مسيرة أبو بكر شوقي، مشيرةً إلى أنه من أب مصري وأم نمساوية، وينتمي لجيل جديد من المخرجين يمثل أمل السينما المصرية.

وأبرزت مسيرته الفنية، من خلال عمله كمساعد مخرج في عدد من الأفلام في مصر، حيث أنهى دراسته قبل أن يسافر إلى نيويورك، وأن رواد الإنترنت ساهموا في دعم إنتاج الفيلم من خلال حملة أطلقت في عام 2015.

نقاد العالم أشادوا بالتجربة، وأكدوا أن مخرجه الشاب أبو بكر شوقي، أحد الواعدين في السينما المصرية، ومنحوه جائزة فرانسوا شاليه، كأحد أفضل الأعمال الإنسانية في مايو الماضي، كما اعتبروه أحد اكتشافات مهرجان "كان" الأكبر، في دنيا المهرجانات، لاسيما وأن «يوم الدين» هو العمل الأول له في الأفلام الروائية الطويلة، وذكر موقع «The wrap»، أن الفيلم تخطى التوقعات، خاصة أنه كان من المقرر أن يشارك في مسابقة نظرة، ما التي ترعى المواهب الشابة وصانعي الأفلام للمرة الأولي، ولكنه تفوق على نفسه بالوصول إلى هذه المرحلة واستطاع أن يأخذ فيلمه الدرامي إلى القمة.

وأشارت التقارير، أن الفيلم استطاع أن يكسر قواعد "كان" التقليدية، بسبب جرأة المخرج، الذي حشد الجماهير لمشاهدته، ليتم استقباله بحفاوة بالغة وتصفيق حار في نهاية العرض، ولذا يعتبر هذا الفيلم من الأفلام القليلة جدًا في مهرجان الذي يستحق مصطلح "الحلو".

وأشادت التقارير بالفيلم إلى أن "شوقي"، لديه موهبة في سرد ​​القصص بشكل مباشر والممثل راضي جمال، الذي يلعب دور بيشوي، أعطى أداء متعدد الأوصاف بين المؤثر والساحر والمرعب مع الحزن العميق، وأيضًا أحمد عبد الحافظ الذي قام بدور أوباما.

كثير من نجوم العالم، الذين شاهدوا الفيلم في مهرجان "كان" أثنوا كثيرًا على العمل وصفقوا لمخرجه، ومنهم جوليان مور وإيرينا شايك، ولويس بورجوان، وكيكو ميزوهارا، وكذلك حيا مدير المهرجان تيري فيرمو أسرة العمل، الذي حرص حينها على الوجود واستقبال نجوم الفيلم، ورافقه المنتج محمد حفظي أحد المشاركين والداعمين للعمل، وكذلك المنتجة إليزابيث شوقى.

يذكر أنه تم اختيار فيلم "يوم الدين"، ليمثل مصر لخوض ترشيحات ومنافسات «أوسكار 2019» لأفضل فيلم ناطق بلغة أجنبية، وفقا لتصويت سري بين أعضاء اللجنة المشكلة لاختيار الفيلم بقرار من نقيب السينمائيين، وبعد حصر المشاركين في التصويت السري، لمن حضر بنفسه لمقر اللجنة لإجراء التصويت أو ترك ظرفا مغلقا بداخله اسم الفيلم، حصل الفيلم على 26 صوتا من إجمالي 41 صوتا، بينما حصل فيلم "أخضر يابس" على 12 صوتا، وحصل "فوتوكوبي" على صوتين، فيما حصل "تراب الماس" على صوت واحد، ولم يحصل فيلم "زهرة الصبار" على أي صوت.

وبناءًا على هذا يُصبح فيلم "يوم الدين"، إخراج أبو بكر شوقي هو ممثل السينما المصرية في مسابقة أوسكار أفضل فيلم ناطق بلغة إجنبية، وفي حال تعذر عرضه تجارياً، لأي سبب من الأسباب، الأمر الذي يُخل بشروط الترشح للمسابقة، يتم اختيار الفيلم الذي يليه في عدد الأصوات .

كانت اللجنة قد عقدت جلسة، عقب تشكيلها مباشرة، وضعت خلالها آلية اختيار الفيلم المرشح، واتفق أعضاء اللجنة، بالاجماع، على تصفية الأفلام المصرية، التي تنطبق عليها شروط الترشيح، وعددها 38 فيلماً، لتصل، بعد تصويت سري، إلى 5 أفلام فقط، هي: "يوم الدين" إخراج أبو بكر شوقي، "أخضر يابس" إخراج محمد حماد، "تراب الماس" إخراج مروان حامد، "فوتوكوبي" إخراج تامر عشري و"زهرة الصبار" إخراج هالة القوصي.

وبعد مشاهدة الأفلام الخمسة، في عروض، خاصة يومي الأحد والاثنين 9 و10سبتمبر، حسمت اللجنة قرارها في جلسة 12 سبتمبر، التي شهدت إعلان الفيلم الذي يمثل السينما المصرية في المسابقة التي تنظمها الأكاديمية الأمريكية لفنون وعلوم الصورة.