سليم نصار يكتب : لماذا قرر «حزب الله» الإفراج عن انتخاب رئيس لبنان؟

سليم نصار يكتب : لماذا قرر «حزب الله» الإفراج عن انتخاب رئيس لبنان؟ سليم نصار

- أليس هذا سعد الحريري؟

سأل موظف أمن عام المطار زميله بلهجة الاستغراب!

وبعد أن تفرَّس الآخر في وجه سعد ملياً، أجاب بشيء من التحفظ: أعتقد أنه هو شخصياً، ولكنني لا أفهم لماذا استبدل اللحية السعودية (المسماة باللغة العامية... السكسوكة) باللحية الإيرانية التي تغطي كامل الوجه بالشَعر الخفيف. تُرى، لماذا أقدم على هذه النقلة السيمائية!

بعد يومين رأى الموظفان مع ألوف اللبنانيين على شاشة التلفزيون، صورة العماد ميشال عون مع سعد الحريري، وهما يشتركان في حديث سياسي ممتع فوق «الكنبة» الجلدية التي تتصدر قاعة الاستقبال في «دار الوسط».

في رده على تساؤلات المستهجنين والمشككين، قدم سعد الحريري، الرئيس السابق للحكومة اللبنانية، مطالعة مستفيضة حملت تفسيره وتبريره لاتخاذ قرار في مثل هذه الخطورة. وبعد استعراض مسهب لمختلف الدوافع التي قادته الى ترشيح رئيس «تكتل التغيير والإصلاح» ميشال عون لمنصب رئيس الجمهورية، أعلن أنه وصل الى هذه القناعة بعد انعقاد البرلمان 37 مرة من دون نتيجة.

وعلى مدى ساعة تقريباً، وأمام حشد كبير من أنصاره ومحازبيه، تمادى سعد الحريري في تغليب المنطق الوطني على منطق جمع الثروة. وقال إن دخوله معترك الحياة السياسية - حفاظاً على خط رفيق الحريري - جعله «ينفق ما ورث دفاعاً عن حلم مَنْ أورثه».

في آخر المطالعة التي صفق لها وزير الداخلية نهاد المشنوق تحت وابل من نظرات الاستغراب التي سددها نحوه جاره في الصف الأمامي الرئيس السابق فؤاد السنيورة، مرر الحريري عبارة استرعت انتباه السيد حسن نصر الله، إذ قال: «بعضكم خائف من أخطار هذه التسوية السياسية، عليّ شخصياً، لاعتقاده بأن هذه ليست تسوية، بل تضحية بشعبيتي خلال الانتخابات النيابية المقبلة. والبعض الآخر يشكك بنيات حزب الله بناء على تجارب الماضي». ولكنه، شدد على القول: لبنان أولاً ... وليس سعد الحريري أولاً.

في خطاب التأييد المطلق لميشال عون، اغتنم السيد حسن نصر الله هذه المناسبة ليذكر بـ «الوخزة» التي وجهها سعد الحريري الى «حزب الله». ولكنه آثر أن يأخذ الجانب الإيجابي من الخطاب لأن وضع البلد يحتاج الى الترفع عن الحسابات. ومعنى هذا أنه في حال سارت الأمور وفق ما يشتهي «حزب الله» وميشال عون وسعد الحريري، فإن يوم الاثنين المقبل (31 تشرين الأول - أكتوبر) سيتم انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية اللبنانية بعد شغور استمر نحواً من سنتين ونصف السنة. وبهذا يكون رابع عسكري يحكم لبنان بعد فؤاد شهاب وإميل لحود وميشال سليمان. مثلما يكون أول وآخر مرشح ينتظر هذه المدة الطويلة كي يدخل الى قصر بعبدا. وهي أطول مدة يمكن أن ينتظرها في لبنان، وخارج لبنان، أي طامح الى الرئاسة!

المعروف أن فترة رئاسة العماد ميشال سليمان القانونية انتهت في أيار (مايو) 2014. ولكن أداء أجهزة الدولة لم يتوقف عن العمل بواسطة حكومة انتقالية ترأسها تمام صائب سلام. ومنذ ذلك الحين لم ينجح البرلمان اللبناني في حسم موضوع الرئاسة. علماً أن فريقاً من المسيحيين إستجار بكل زعماء العالم.

ومع بقاء الوضع الآسن على حاله، تطوع رئيس حزب «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع لإحداث حركة درامية من طريق إعلان تحالفه مع ميشال عون الذي اختاره مرشحه الوحيد لرئاسة الجمهورية.

واللافت أن عون وافق على ورقة «إعلان النوايا» التي تضم عشر نقاط اعتبرها جعجع شرطاً ملزماً لتكريس تحالفهما. واعتبرت وسائل الإعلام تلك النقلة المعاكسة بمثابة ردّ صريح على ترشيح الحريري سليمان فرنجية.

الاختراق الأخير الذي أحدثه سعد الحريري بتأييده العماد ميشال عون لم يأتِ من فراغ، وإنما كان حصيلة تطورات داخلية وخارجية.

على مستوى تيار «المستقبل» كان هناك تشجيع متواصل من عناصر مقربة من الحريري يأتي في طليعتها الوزير نهاد المشنوق ونادر إبن بهية الحريري والمستشار غطاس خوري. وقد اتفق ثلاثتهم على تدوين ملاحظات تصب في مصلحة انتخاب ميشال عون رئيساً، شرط أن يبادل منّة المقايضة بانتقاء سعد الحريري رئيساً للحكومة الجديدة.

ولكن، هل تكفي هذه التسهيلات لإقناع «حزب الله» بضرورة الاشتراك في معركة الانتخاب؟

حقيقة الأمر، إن طهران كانت هي الجهة المعارضة في استعجال انتخاب رئيس لجمهورية لبنان، بسبب عدم حسم الحرب داخل سورية... وبسبب الغموض الذي يكتنف مستقبل بشار الأسد، والشكوك التي تثار حول متانة نظامه. ويبدو أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أبلغ الحكومة الإيرانية، مطلع هذا الشهر، بأن بشار الأسد مستمر في الحكم كرئيس شرعي طوال فترة انتقالية تمتد الى ما بعد وضوح سياسة الإدارة الأميركية الجديدة التي سترث مسؤوليات باراك أوباما. أمام هذا التحوّل الإقليمي المفاجئ، كان لا بد للقيادة في طهران من الإفراج عن قرار تجميد انتخاب رئيس في لبنان، الأمر الذي نقله السيد حسن نصر الله بخطاب التأييد المطلق.

ويُستدَل من طبيعة التعهدات التي قطعها على نواب حزبه، وعلى أعضاء كتلة «الوفاء للمقاومة»، ما يؤكد الالتزام بانتخاب ميشال عون. وكان واضحاً من تكرار تأييده لهذا المسار، أن الأمين العام مستاء من الإشاعات التي نسبت التأجيل الى شكوك «حزب الله» حيال الشخصية المتقلبة المزاجية التي عُرِف بها عون... وأن قائد الجيش العماد جان قهوجي قد يكون البديل.

لهذا السبب وسواه، قال نصر الله، في الخطاب الذي ألقاه بمناسبة ذكرى مرور أسبوع على مقتل القيادي في الحزب حاتم حمادة (أبو علاء): عندما تعقد الجلسة المقبلة لانتخاب رئيس، ستحضر كتلة «الوفاء للمقاومة» بكامل أعضائها لانتخاب العماد ميشال عون. ثم زاد مستطرداً: إذا كان القانون في المجلس يسمح بأوراق مكشوفة، سنقترع بهكذا أوراق.

يقول المقربون من «حزب الله» إن عدداً كبيراً من السياسيين اللبنانيين قرأ خطأ تعاون الحزب مع قائد الجيش العماد جان قهوجي. وكان ذلك التعاون نتيجة أحداث أمنية استهدفت الضاحية الجنوبية وسفارة ايران وغيرها من المواقع الحساسة. وقد استعان الحزب في حينه بمخابرات الجيش للكشف عن هويات الفاعلين، وإفشال مخططهم القاضي بتفجير أزمة مذهبية بين الشيعة والسنّة في لبنان.

خلال تلك المرحلة، وضع رئيس المجلس النيابي نبيه بري رهانه الثاني، بعد جان عبيد، على العماد جان قهوجي. ومثله فعل الزعيم وليد جنبلاط، الأمر الذي شجع قائد الجيش على التطلع نحو قصر بعبدا. واستغلت وسائل الإعلام تلك المنافسة لتتحدث عن حظوظ الـ «جانَيْن» في انتخابات الرئاسة.

ثم جاءت أحداث عرسال لتوفر لميشال عون ذريعة الإنقضاض على قائد عسكري يعتبره خصماً له، ومنافساً لصهره العميد شامل روكز.

ولكن خيار الأمين العام السيد حسن نصر الله لم يترك مجالاً للشك في حسم معركة الرئاسة لمصلحة المرشح، الذي ساعده الحزب مع سورية، على العودة من المنفى بانتظار ما سيتم تحقيقه يوم الاثنين المقبل!

وكما ينتظر العماد عون فرصته التاريخية التي يقول عنها بأن سلفه ميشال سليمان سرقها منه في قطر... كذلك ينتظر زعيم تيار «المردة» النائب سليمان فرنجية نتائج اختباره التمهيدي لعل الحظ يبتسم له في الدورة المقبلة لدخول القصر الجمهوري - مثل جدّه - هذا إذا بقيت هناك «جمهورية لبنانية»، ولم ينتزعها الصهر جبران باسيل من أشداق معارضة بدأت نواتها تتجمع في طرابلس.

ومن خلال حديثه الأخير لقناة «أل بي سي» قدم سليمان فرنجية نفسه للشعب اللبناني كنموذج سياسي مختلف عن نموذج عون، الذي وصفه بالمزاجي المتقلب. وكان بهذا التمايز يؤكد أنه شريك في تحالفه مع جبهة 8 آذار، وليس تابعاً لأحد ما عدا الضوابط المناقبية التي تحلى بها أفراد أسرته. وامتدح العلاقة التي تنظم تعاونه مع السيد حسن نصر الله، الذي يحترم كلمته ويحافظ على صدقيتها.

وحقيقة الأمر إن آل فرنجية يشكلون، بين موارنة لبنان، معارضة دائمة للعدو الإسرائيلي، في حين تسابق غيرهم على التواطؤ معه، أو على محاورته خفية من طريق طرف ثالث.

وقال النائب فرنجية بلهجة الواثق إن حصته في البرلمان تبدأ من خمسين صوتاً في حال صدقت الوعود. وكان في حساباته المتفائلة يعتمد على كتلة نبيه بري (13 صوتاً) وعلى الخوارج من كتلة وليد جنبلاط، وعلى نجيب ميقاتي وبطرس حرب وأحمد كرامي من الشمال. إضافة الى كتلتي الحزب القومي وحزب البعث ورفيقيه في اللائحة سليم كرم واسطفان الدويهي. وهكذا بقي إميل رحمة علامة استفهام وتعجب في آن معاً!

بقي السؤال الأهم - في حال اكتمل النصاب وانتُخِبَ ميشال عون رئيساً في الدورة الأولى أو الثانية - هل هو مستعد لتبني البرنامج الذي قدمه له سمير جعجع في معراب؟ بل، هل هو قادر على ممارسة صلاحيات رئيس الجمهورية، في حال بقي «حزب الله» مصراً على إدارة ما عُرِف بـ «الثلاثية»: المقاومة والشعب والجيش؟

وهل هو قادر على تجاوز ما تقرر في اتفاق الدوحة، من أن يكون في الحكومة الجديدة ثلثٌ ضامن... أو الثلث المعطل لأي طرف من الأطراف؟

في هذا السياق، ذكّره البطريرك الماروني بشارة الراعي بالمادة 49 من الدستور، والتي تجعل من الرئيس حَكماً لا طرفاً.

وعلى هذا الموضوع علق الرئيس السابق ميشال سليمان، بالقول: لا يحق لرئيس جمهورية لبنان أن يحكم إلا بالتوافق، وهو عندما يرفع يده اليمنى ليؤدي القَسَم أمام النواب وممثلي الشعب... هذا القَسَم بحد ذاته يحرره من التزامه بالمحاور التي دعمته أو بالأحزاب التي أيّدته.

نقلا عن صحيفة الحياة