بروفايل| بعد نصف قرن من النضال.. "كاسترو" يرحل في صمت

بروفايل| بعد نصف قرن من النضال.. "كاسترو" يرحل في صمت فيدل كاسترو

50 عاما قضاها الراحل فيدل كاسترو، في النضال من أجل تأسيس دولة شيوعية، في تحد لكل محاولات إسقاطه، فأبى أن ينهزم، وأسس دولة الحزب الواحد "الشيوعي"، وأصبح زعيما يقف خلفه الآلاف من أنصاره، لكن الآن توقف النضال ورقد الجسد، بعد أن أصبح عاجزا عن العمل، تاركا خلفه تاريخا ثوريا لن يغيب عن ذاكرة أنصاره.

الزعيم الكوبي فيدل كاسترو، أو "القائد" كما عرف بين أبناء شعبه، ولد في 13 أغسطس 1926، ابن لعائلة ثرية، لكنه تمرد منذ صغره على حالة الترف التي كان يعيشها، بعد اصطدامه بالتناقض الكبير بين رغد العيش في أحضان عائلته، وقسوة العيش والفقر في مجتمعه.

درس كاسترو القانون في جامعة هافانا، ثم عمل محام في مكتب صغير، وكان يطمح في الوصول للبرلمان الكوبي، إلا أن الانقلاب الذي قاده فولجينسيو باتيستا، ألغى الانتخابات البرلمانية، بعدها حمل كاسترو السلاح ضد الرئيس فالجنسيو في العام 1953، على رأس اكثر من مئة من أتباعه، إلا أن محاولته أُحبطت، وسجن هو وشقيقه راؤول.

بعد عامين، صدر عفو عن كاسترو الذي واصل حملته لإنهاء حكم باتستا من المنفى في المكسيك، حيث كان أخوه راؤول ورفاقه يجمعون شملهم للثورة.

المناضل تشي جيفارا، التحق بالثوار وتعرف على "كاسترو"، وأصبح جزءًا من المجموعة الثورية حينها، ولم تمض سوى سنوات قليلة حتى لاقت مبادئ كاسترو الثورية تأييدا واسعا في كوبا، وتمكنت قواته في العام 1959 من الإطاحة بباتستا، الذي أصبح نظامه رمزا للفساد وعدم المساواة.

تسلم كاسترو سدة الحكم في كوبا، وسرعان ما حوّل بلاده إلى النظام الشيوعي، لتصبح كوبا أول بلد تعتنق الشيوعية في العالم الغربي، بعدها اندلع عداءً كبيرًا بين بلاده والولايات المتحدة الأمريكية، بعد أن رفضت الأخيرة الاعتراف بالحكومة الكوبية الجديدة.

في العام 1961، احتدم الصراع بين كوبا والولايات المتحدة، بعد محاولة الأخيرة إسقاط الحكومة الكوبية، من خلال تجنيد جيش خاص من الكوبيين المنفيين لاجتياح جزيرة كوبا، إلا أن القوات الكوبية نجحت خلال معركة "خليج الخنازير" الشهيرة، في ردع المهاجمين وقتل العديد منهم، واعتقال نحو 1000 شخص.

لم يمض سوى عام واحد فقط، حتى بدأت أزمة الصواريخ السوفيتية الشهيرة، التي كادت أن تجر العالم لـ"حرب ذرية"، عندما وافق كاسترو على نشر صواريخ روسية نووية في بلاده على أعتاب الولايات المتحدة، ومنذ ذلك التاريخ أصبح كاسترو العدو رقم واحد بالنسبة لأمريكا، وساعد تحالف كاسترو مع موسكو في إثارة أزمة الصواريخ الكوبية في العام 1962، وهي مواجهة مع الولايات المتحدة استمرت 13 يوما، وجعلت العالم أقرب ما يكون لنشوب حرب نووية.

أطاح المناضل الكوبي بالرأسمالية، وحظى بشعبية كبيرة في بلاده بعدما جعل المدارس والمستشفيات في متناول الفقراء، فغير شكل كوبا منذ توليه السلطة، وأجرى إصلاحات اقتصادية على غرار نظام السوق، حتى وجد نفسه في مواجهة حصار اقتصادي، فرضته الولايات المتحدة على كوبا منذ 22 أكتوبر 1962، بهدف إزاحة حكومته الاشتراكية، والتي رأت فيها واشنطن تهديدا كبيرا لمصالحها في المنطقة، واستمر الوضع كما هو حتى عهد الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته باراك أوباما.

أبقى كاسترو حياته الشخصية شأنا خاصا به طيلة حياته، إلا أن بعض المعلومات عنها أصبحت متوفرة خلال السنوات الأخيرة، منها أنه تزوج في العام 1948 من ميرتا دياز- بالارت، التي أنجبت له ابنه الأول فيديليتو، وانفصل الاثنان فيما بعد.

وفي العام 1952 تزوج كاسترو بناتي ريفلتا، وأنجبت له ابنة هي ألينا في العام 1956، وفي العام 1957 التقى سيليا سانشيز، وقيل إنها الرفيقة الأساسية لحياته، وظلت معه حتى توفيت في العام 1980، وفي الثمانينيات تزوج كاسترو من داليا سوتو ديل فال، التي أنجبت له 5 أبناء.

حكم كاسترو كوبا نحو 50 عاما، شهد فيها رحيل وصعود نحو 10 رؤساء أمريكيين، رفع معظمهم شعار العداء والخصومة لبلاده، وحاولت المخابرات الأمريكية اغتياله 638 مرة، وفقا لما صرح به أحد وزراء كوبا مؤخرا، وتنوعت هذه المحاولات بين محاولة قتله من خلال القناصة، وبين حشو سيجاره الخاص بالمتفجرات، ودس السم له في كأس البيرة، وغيرها من الطرق التي باءت جميعها بالفشل.

كان ديسمبر من العام الماضي، بداية انفراجة في الأزمة المحتدمة بين كوبا وأمريكا، حيث اتفق راؤول كاسترو الشقيق الأكبر للزعيم الراحل، مع الولايات المتحدة، على إعادة بناء العلاقات الدبلوماسية وإنهاء عقود العداوة، وبعد ذلك بـ6 أسابيع، أبدى كاسترو تأييدا فاترا للاتفاق، ما أثار تساؤلات بشأن موافقته على إنهاء العداوة مع الولايات المتحدة.

عاصر كاسترو زيارة الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته باراك أوباما لكوبا هذا العام، وهي الأولى التي يقوم بها رئيس أمريكي لكوبا منذ 1928.

"إلى مواطني الأعزاء الذين شرفوني بانتخابي عضوا في البرلمان، أكتب إليكم لأقول إنني لا أتطلع ولن أقبل، وأكرر لا أتطلع ولن أقبل منصبي رئاسة مجلس الدولة ورئاسة أركان الجيش"، بهذه الكلمات فاجأ فيدل كاسترو شعبه وأنصاره كافة، في 18 فبراير 2008، بإعلان استقالته من منصبي الرئاسة ورئاسة أركان الجيش في كوبا، مبررا ذلك بمرضه، وتاركا الحكم لأخيه -ووزير الدفاع آنذاك- راؤول كاسترو.

انتهت رحلة نضال "فيدل كاسترو" صباح اليوم، بعد مقاومة دامت نحو نصف قرن للعدو الأمريكي، الذي أنهكته محاولات إزاحته عن الحكم بشتى الطرق، بعد أن غيّب المرض روحه عن جسده وأغمض عيناه إلى الأبد، ورغم تباين موقف الشعب الكوبي من فيدل كاسترو، إلا أنه كان وما يزال بطلا وقائدا في أعين معظم الكوبيين.