العلاقات المصرية البريطانية.. من مرحلة «الزفت» إلى التحسن

العلاقات المصرية البريطانية.. من مرحلة «الزفت» إلى التحسن

دبلوماسى: لندن حاولت تدجين الإخوان.. ثم اكتشفت علاقتهم الملتبسة بالعنف والتطرف

قرارهم بسحب السائحين سببه أننا لم نكن نملك أوراقا تضرهم أو تؤثر على مصالحهم

لندن أدركت أن النظام المصرى مستقر.. والفرص الاقتصادية تذهب إلى ألمانيا.. فبدأت تغير موقفها

مصدر: بريطانيا لن تتغير وتحتضن الإخوان والمتطرفين حتى تستمر المنطقة مفتتة

ما هى حقيقة العلاقة بين بريطانيا وجماعة الإخوان أو تيار الإسلام السياسى بصفة عامة من جهة وبين لندن والقاهرة من جهة اخرى، هل لندن تريد فرض الإخوان والتمكين لهم لتفتيت المنطقة، أم أنها تبحث عن مصالحها فقط، وما هى حدود التقاطع بين التعاطف والمصالح؟!

السؤال السابق يتم طرحه منذ سنوات طوال، لكن من دون وجود إجابة حقيقة شافية تضع حدا لهذه التكهنات والاستنتاجات والتخمينات.

فى الأيام الماضية قابلت اثنين من الدبلوماسيين العرب، المطلعين والمهمومين بملف علاقة بريطانيا مع الإسلام السياسى.

الدبلوماسى الأول كرر ما يتم تداوله بكثرة فى الفترة الأخيرة وهو أن لندن هى من اخترعت الاسلام السياسى من أول دفع نحو ٥٠٠ جنيه مصرى لحسن البنا كرسوم تسجيل لجماعة الإخوان المسلمين عام ١٩٢٨، ونهاية بأنها لا تزال تتمنى عودة الإخوان للمشهد السياسى مرة أخرى.

فى تقدير هذا الدبلوماسى فإن بريطانيا قامت بتربية وتسمين جماعات الإسلام السياسى منذ فترات طويلة، كما تستخدمها لزرع الانقسام والفرقة فى المنطقة بأكملها، وأنها لا تريد التسليم بأنها لم تعد امبراطورية عظمى، ولم تعد تسيطر على المنطقة والعالم.
ويستشهد هذا الدبلوماسى بفتح بريطانيا أبوابها أمام كل الناشطين الإسلاميين المناهضين لحكوماتهم منذ سنوات طويلة، وأن لندن صارت هى عاصمة الخلافة الإسلامية الرمزية.

يضيف أن بريطانيا لا تريد أن تعترف بأن عمليات الارهاب التى بدأت تضرب لندن، هى نتيجة طبيعة للسياسة البريطانية بإخراج الوحوش والشياطين من القمم أو القماقم المختلفة.

وفى تقدير هذا الدبلوماسى فإن كل شرور المنطقة مصدرها لندن، وليس فقط واشنطن التى تعتبر «تلميذة فى المدرسة البريطانية الاستعمارية». ولا يستبعد هذا الدبلوماسى وجود دور لبريطانيا فى الفخاخ والمصايد الصعبة التى وقفت فيها الحكومة لمصرية منذ ١٣ يونية ٢٠١٣ وحتى هذه اللحظة.

تلك هى وجهة النظر الاولى التى كتب عنها مقالات وموضوعات ومطولات كثيرة منذ بداية الربيع العربى اواخر عام 2010.

فى المقابل هناك دبلوماسى عربى آخر، له وجهة نظر مختلفة إلى حد ما، وتعتبر جديدة نسبيا قياسا إلى ما يكتب وما يقال فى بعض الإعلام العربى.

يقول هذا الدبلوماسى إن وجهة نظره تقوم على عدم وجود مؤامرة بالمعنى الذى نردده ليل نهار، بل ما يحدث هو سعى بريطانيا دائم بحثا عن مصالحها.

يشرح الموضوع بقوله إنه فى الفترة من ٢٠٠٦ وحتى ٢٠١٣ قدرت بريطانيا، ان الاسلام السياسى هو القادم وهو المهيأ لتولى السلطة فى المنطقة، وكان لديهم شواهد كثيرة على ذلك فى المشرق والمغرب العربى. العالم كله رأى هذه الظاهرة إلا الحكومة المصرية!!
فى تقديره ليس هناك تبنٍ بريطانى للإسلام السياسى، بل حاولوا وضع خطة لتدجينه من أجل الحفاظ على المصالح البريطانية فى المنطقة، وهو ما فعلته أمريكا إلى حد كبير.

التدجين البريطانى تم عبر محاولة جذب ودعم هذا التيار للممارسة الديمقراطية وأخذ ضمانات منه بالاعتراف بإسرائيل وأمنها والتعهد بحماية المصالح البريطانية فی المنطقة.

وعن العلاقة البريطانية مع أمريكا يقول الدبلوماسى هى علاقة تابع ولكن بطريقة احترافية. أمريكا عندما تتحاور مع شريكها البريطانى، فلا تشعر بأن هناك دولتين، بل هى تحظى بثقة أمريكا الكاملة.
يضيف أن الجهاز السياسى البيروقراطى قوى جدا فى بريطانيا، ولديه تخصصات فى كل العلوم السياسية تقريبا. بل إن قسم مصر فى الخارجية البريطانية، أكبر بكثير من نظيره فى أمريكا أو فرنسا، ويصل عدد أفراده إلى نحو سبعة أشخاص.

ويفرق الدبلوماسى بين نظرة بريطانيا إلى مصر بين فترتين، الأولى من ٢٠٠٦ إلى ٢٠١٥، والثانية من ٢٠١٥ حتى الآن.
فى الفترة الأولى راهنت لندن على صعود الإسلام السياسى أو عودته للمشهد، وبعد 25 يناير 2011 وحتى 2015 كانت العلاقة فى غاية السوء، بل، وحسب وصفه كانت «زفت»، وفى الفترة الثانية بدأت تدرك أن هناك واقعا جديدا على المستوى المادى، وأن هناك استقرارا للحكم، وأن شوكة الإسلام السياسى قد انكسرت، ليس فقط ماديا بل على المستوى الفكرى أيضا. ولذلك بدأت لندن تتعامل بطريقة مختلفة مع مصر، لأنها أدركت أن النظام مستقر حتى إشعار آخر وهناك أسباب كثيرة أدت إلى هذا الأمر منها توحش داعشى وتفاقم الأوضاع فى ليبيا، وانكسار الثورة السورية واتجاهها إلى ما يسمى بدولة الخلافة، نهاية بالانتصارات المتتالية للقوات السورية النظامية بدعم من روسيا.

اكتشفت بريطانيا أيضا أن قطاعا عريضا من سكانها أو المقيمين فيها من المسلمين قد تأثر بالمتطرفين، وصارت الأكثر تصديرا للمتطرفين فى أوروبا. بل هناك مؤشر خطير صار يمثل لهم قلقا كبيرا وهو أن البريطانيين يستهلكون ٦٠٪ من المواد المتطرفة التى تبثها داعش وبقية التنظيمات المتطرفة المنشورة باللغة الإنجليزية. نتيجة لذلك بدأ يحدث فى بريطانيا ربط بين البنية الأساسية للتطرف وبين الإخوان فى معظم أنحاء العالم. وبدأت لندن ترى علاقة طردية بين تأثر الشباب بفكر إسلامى غير مؤثم قانونا، وبين رفضه للمجتمع ويعيش فى عزلة، الأمر الذى قد يقود لتطرف عنيف لاحق.

يضيف المصدر أن هناك تغييرا كبيرا فى بريطانيا عن الصورة النمطية القديمة، وللمرة الأولى نرى استراتيحية بريطانية لمكافحة التطرف.

وخلافا لكل المتشائمين من تقرير السفير البريطانى السابق فى الرياض جون جينيكز فى ديسمبر قبل الماضى، والادعاء بأنه كان متعاطفا مع الإخوان، فإن المصدر الدبولماسى يقول إن هناك عدة استخلاصات أساسية فى هذا التقرير والاتجاه الذى تلاه اهمها:

اولا: ان الانتماء للإخوان مؤشر على تطرف لاحق. ثانيا: أن العلاقة بين الإخوان والعنف ملتبسة على أقل تقدير. ثالثا، أن قيم الإخوان وأفكارها تتعارض مع قيم المجتمع البريطانى.

ويلفت الدبلوماسى العربى الكبير النظر إلى ما قاله وزير الدولة البريطانية للشئون الخارجية منذ شهرين فى مقابلة نشرتها الأهرام، بأن بريطانيا تكافح تنظيم الإخوان المسلمين، ولا تتعامل معه شرعيا، وأنه يتم مراقبة الجمعيات الأهلية ذات التوجه الإخوانى أو المتطرف، وأن البلدين ينبغى عليهما التعاون فى مكافحة استراتيجية الإرهاب البغيضة.

وعن العلاقة بين مصر وبريطانيا يشرح الدبلوماسى رؤيته لموقف بريطانيا من حادث سقوط الطائرة الروسية فوق شرم الشيخ نهاية أكتوبر ٢٠١٥ ــ وسر تشددها وتصرفها الفج بسحب سائحيها وبسرعة قياسية خلال زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى لندن فى ٤ نوفمبر ٢٠١٥ ــ بقوله إن هناك رؤى وتفسيرات مختلفة، منها أنها اتخذت هذا القرار لأنها تعلم أن قدرة مصر على الاضرار بمصالحها أو إفادتها معدومة. وكان التقدير البريطانى ان مصر وقتها لم يكن لها حول ولا قوة، وكل المؤشرات الخاصة بها سلبية، لأن مصر كانت فى منطقة صعبة ومرحلة أصعب.

بريطانيا تروج لنفسها ولغيرها بأنها الأكثر تميزا فى صناعة الأمن، وتأمين مواطنيها فى الداخل والخارج، وأنها الأكثر تميزا عالميا فى سلامة الطيران الدولى، وأن ٩٠٪ من شركات تأمين المطارات العالمية بريطانية، وبالتالى فهم خافوا على مواطنيهم أولا، ثم سارت وراءهم روسيا.

فى تقدير الدبلوماسى العربى فإن ديفيد كاميرون رئيس الوزراء السابق كان يرغب فى أن يظهر بطلا فى عيون مواطنيه بسحب السائحين، ولذلك اتخذ هذا القرا بصورة «صبيانية».

ووقتها قالت مصر لبريطانيا ان قرار منع السائحين سهل جدا، لكن قرار عودتهم أصعب بكثير، لأنكم المعايير ستكون مطاطة.

ثم جاءت حكمة تيريزا ماى ــ وهى أضعف حكومة فى تاريخ بريطانيا منذ مارجريت تاتشر ــ واتخذت قرار الخروج من الاتحاد الأوروبى، والمؤسف أن ضعف الحكومة جعلها لا تنظر فى ملف عودة السائحين إلى مصر بتركيز، رغم إدراكها أن كل المؤشرات تقول إن الأوضاع فى مصر تحسنت، بل إن شركة بريطانية هى «كونترول ريسكز» قامت بعمل دراسة جدوى عن سلامة المطارات المصرية وقالت ان الامور تتحسن. ورغم ذلك لا تزال ماى ترفض النظر فى اتخاذ القرار الصحيح وهو عودة السياحة البريطانية لمصر. يقول الدبلوماسى إن أصواتا مختلفة فى حكومة ماى تخالفها وجهة النظر هذه تجاه مصر.

ويقول الدبلوماسى إن بريطانيا رفعت يدها عن دواسة الغاز بعد يناير 2011، ولولا هذا القرار فربما ما اضطرت مصر لاستيراد الغاز الطبيعى.

لندن توقفت عن البحث والتنقيب حتى تحصل شركاتها على حصة الشريك الأجنبى، وتركوا الغاز فى الأرض فاستوردت منه مصر الكثير، لكن الحال تحسن كثيرا الآن، وسددت مصر الكثير من الاموال وبدأت العجلة تدور بصورة جيدة، خصوصا فى ملف الغاز.

ويعتقد الدبلوماسى أن تحسن الوضع فى مصر إلى حد كبير قد أقنع بريطانيا، بأن تعيد النظر فى مجمل سياستها، صارت هناك أوراق ضغط متعددة، أولها الاستقرار وثانيها اقتناع بريطانيا، بأنها هى التى تخسر من جراء انعزالها عن مصر، خصوصا اقتصاديا، فى ظل الاستثمارات الدولية الكثيرة وأهمها الألمانية، ثم إن المؤشرات تقول إن الاقتصاد المصرى سيكون الأكبر عربيا خلال سنوات قليلة، وأن من سيتأخر قد يخسر الكثير. ويدلل المصدر على كلامه بالقول إن عددا كبيرا من الشركات البريطانية بدأت «عيونها تزغلل» للمشروعات المصرية، وزار وفد من كبار شركات البنية التحتية مصر فى الأسابيع الماضية والتقى بالعديد من كبار المسئولين خصوصا محمد العصار ومهاب مميش وكامل الوزير.

ويختم المصدر كلامه بقوله ان القضية من أولها إلى آخرها مصالح وأوراق ضغط، وبالتالى فهو يتوقع تحسنا فى العلاقات المصرية البريطانية فى المرحلة المقبلة.