صكوك الفتنة فى «الأميرية»

يحتاج المواطن المصرى، أياً كانت عقيدته مسلماً أو مسيحياً، لإثبات فعلى من الدولة، أن هناك قانوناً يطبق على الجميع، وليس هناك استثناء، أو محسوبية.. لا فرق بين صاحب عربة الكارو، وبين من يعلق على كتفه «دبابير ونجوم»، فلا يمكن إلا أن تنحاز فى النهاية لصاحب الحق، والقتيل الآن مجدى مكين، عند من هو أولى به، وهو صاحب الحق.

مات مجدى مكين، المصرى، لا أقول القبطى، وكل الشواهد تؤكد أن الرجل الخمسينى، احتجزه ضابط برتبة نقيب، وفى اليوم التالى لاحتجازه، خرج جثة، وعلى جسده علامات تعذيب، ظاهرة وواضحة، فى مناطق «الظهر والمؤخرة والخصيتين، وفى الرأس والأذن»، هل يحتاج الأمر لتفسير أو دلائل أخرى على أن الرجل تم تعذيبه وقتله داخل قسم الأميرية؟. وكيف يمكن أن نصدق ما يقوله مدير المباحث من أن مجدى مكين أصيب بغيبوبة سكر، وما علاقة السكر بعلامات التعذيب الواضحة؟ وهل تتسبب أعراض السكر فى ظهور مثل هذه الآثار؟. لم يعرف أن هناك طباً يمكن أن يصدق مثل هذه الرواية.

لا بديل الآن أمام الدولة إلا أن تحاسب من أخطأ، هذا من صميم عملها وفق ما ينص عليه الدستور، كرامة المواطن المصرى مصونة، إن كان نقيباً أو عقيداً أو عميداً أو لواء، لا يجب أن تتستر وزارة الداخلية على ضابط، يعرف الجميع أنه ارتكب الواقعة عن قصد، لأنه بدون هذا، ستخسر الدولة كثيراً، ولسنا فى حاجة لمزيد من التكلفة ندفعها تحت وطأة اندفاع ضابط شاب، المحاسبة فوراً للجميع.

أى متابع لقضية مجدى مكين، سيندهش من حجم التفاعل القبطى المنحاز لـ«مجدى»، فقط لأنه قبطى وليس مصرياً، وهو انحياز وتحيز عقائدى أعمى، انحياز للديانة، لا للوطن، انحياز للصليب، لا للدستور، وبدلاً من أن يتعاطف الجميع مع صاحب القضية، تسببت نخبة من الأقباط فى شق الصف. النغمة مخيفة مبررها ماذا لو كان مجدى مكين مسلماً؟ هل سيكون هذا التدافع القبطى على قضيته بهذا الشكل؟. أو التدوين على مواقع التواصل الاجتماعى بهذا الزخم؟. هذا الأمر قد يشكل خطورة على التركيبة الاجتماعية فى طريقة التفكير بين مسلمين وأقباط، لم نشعر بها فى قضايا الفتنة الطائفية العادية على مدار عقود. ولم تزحف بأفكارها من الصعيد لقلب العاصمة.

الغريب فى الأمر هو الزيارة التى قام بها الأنبا مكاريوس الأسقف العام بالمنيا وأبوقرقاص يرافقه أربعة من الآباء الكهنة هم: القمص دوماديوس عبدالسيد، والقس مقار جورج، والقس مرقس سعد، والقس إيلاريون رسمى، لمنزل أسرة «مجدى مكين»، الكائن بحى الزاوية الحمراء بالقاهرة. وأصدرت الكنيسة بياناً صحفياً قالت فيه «إن مكين تُوفى فى قسم شرطة الأميرية أمس الأول متأثراً بالآلام التى نتجت عن التعذيب البشع الذى تعرض له»، وأن الزيارة -بحسب البيان- جاءت للتأكيد على تعاطف الجميع مع أسرة المتوفى، على اعتبار المتوفى مصرياً تمت إهانته من قِبَل أحد أجهزة الدولة.. ولنعلن رفضنا للإفراط فى استخدام القوة.. ولنؤكد قيمة الحياة وحق الإنسان فيها.

ظهور الكنيسة بهذا الشكل فى هذا المشهد، غير مفهوم، ويختزل دور الدولة، لتتصدر الكنيسة المشهد، إذا كان الضحية «قبطياً» وهى تنفى فى ذلك أى معنى لما قالته فى البيان أن «المتوفى مصرى»، وإذا كان مصرياً، لماذا هذه الزيارة؟ وما علاقة أسقف المنيا بمنطقة الزاوية الحمراء التى تنتمى لمحافظة القاهرة؟. وهل تصرف أسقف المنيا والبيان الذى خرج تم بشكل فردى؟ أم أنه أعطى تعليمات بهذه الزيارة وتمت تحت رعايته؟. يجب أن تسترجع بالذاكرة قليلاً لربط تصريحات الأنبا مكاريوس فى واقعة سيدة المنيا والتى تعرضت لاعتداء «سعاد ثابت» التى هاجم فيها بيت العائلة. لماذا هذا الأسقف بالتحديد؟.

لا معنى للدولة ولا المواطنة ولا الدستور، وستصبح كلها شعارات على الورق نبيعها فى محلات البقالة، إلا بتطبيق القانون على الجميع، هذا وطن يتسع للجميع، لا مكان فيه إلا لدولة المؤسسات. لا تصارع بين كنيسة تدافع عن رعاياها، ولا وزارة تحمى ضابطاً أو تتستر على جرمه.