الجمعيات الأهلية الشريفة الخاسر الأول من القانون الجديد

الجمعيات الأهلية الشريفة الخاسر الأول من القانون الجديد

فى محاولة منه لتجفيف منابع التمويل الأجنبى للجمعيات الذى أغرق مصر طوال سنوات ما قبل الثورة وما بعدها أيضاً، وافق البرلمان مؤخراً على قانون الجمعيات الأهلية، الذى يجفف منابع التمويل الأجنبى ويقضى على كل محاولات التدخل فى شئون السيادة الوطنية المصرية من خلف مظلة حقوق الإنسان.

ورغم أن حزب «الوفد» يؤكد على موقفه الرافض للتمويل الأجنبى الذى أضر بسمعة مصر وأمنها القومى طوال السنوات الماضية، ورغم أن القانون بشكله الحالى يتفق إلى حد كبير مع رؤية الحزب للحد من توغل المال الأجنبى فى الشئون الداخلية لمصر، إلا أن هناك بعض الثغرات فى القانون تثير مخاوف الجمعيات الأهلية بشكل عام، خاصة الجمعيات الوطنية الشريفة التى ترفض التمويل الأجنبى الذى يضر بالسيادة الوطنية، ويخشى العاملون فى العمل الأهلى التطوعى أن يتحول خوف الدولة من سيطرة رأس المال الأجنبى إلى سيف مسلط على رقاب جميع الجمعيات التى لا ناقة لها ولا جمل فى تورط الجمعيات الحقوقية والدينية فى شبهة المال الأجنبى.

ورغم هذه المخاوف إلا أن الخبراء يعولون كثيراً على الرئيس عبدالفتاح السيسى وتمسكه بالدستور الذى يعتبر الجمعيات شريكاً أساسياً فى عملية التنمية، ومن المؤكد أن الرئيس سيسعى لتخفيف قبضة الروتين عنها كى تنطلق تنموياً واجتماعياً، وتقف بجانب الدولة فى مسيرة البناء والتنمية، وهو ما أكد عليه الرئيس فى افتتاح مشروعى الأسمرات وغيط العنب.

«الوفد» تطرح القانون ورؤية الخبراء بهدف مساعدة الجمعيات الأهلية الشريفة على أداء دورها الوطنى والتنموى بعيداً عن القيود التى فرضتها الدولة فى القانون الجديد خوفاً من أخطار وتوابع خضوع بعض الجمعيات لسطوة المال الأجنبى.

فرضت قضية التمويل الأجنبى نفسها على العمل الأهلى طوال الأعوام الماضية خاصة بعد ثورة 25 يناير التى كشفت عن الوجه القبيح لعدد من المنظمات الأهلية العاملة فى مجال حقوق الإنسان، والتى استغلت الإنفاق الأوربى والأمريكى فى هذا المجال، ولجأت لهذه الدول وراحت تقدم الغالى والنفيس مقابل الحصول على الدولارات، وبالفعل سقط عدد من هذه الجمعيات فى أيدى السلطات فيما عرف بقضية التمويل الأجنبى للجمعيات التى حملت رقم 173 لسنة 2011 والتى كشفت عن تلقى 6 منظمات حقوقية حوالى مليار دولار من دول أجنبية مثل أمريكا والسويد والتشيك وسويسرا خلال عامى 2010 و2011 لتدريب بعض الفئات مثل شباب المحامين والإعلاميين والمرأة الريفية، كما كشفت التحريات التى أجريت على عمل هذه المنظمات فى سنوات ما بعدد الثورة عن قيام عدد منها بالحصول على أموال من الخارج دون علم الحكومة المصرية خلال الفترة من 2011 وحتى 2014 منها المنظمة المصرية لحقوق الإنسان التى حصلت على 300 ألف دولار من الخارج، والمجموعة المتحدة للاستشارات القانونية وحصلت على 820 ألف دولار، والجمعية الوطنية للدفاع عن الحقوق والحريات وحصلت على 46 ألف دولار بينما حصلت المؤسسة العربية لدعم المجتمع المدنى وحقوق الإنسان على 37 ألف دولار، ويكفى أن نذكر أن بعض التقديرات تؤكد حصول عدد من الجمعيات على حوالى مليارى دولار خلال 3 سنوات فقط، وكانت هذه الأرقام كفيلة بتضييق الحكومة على عمل هذه المنظمات من خلال القرارات والقوانين، حيث شهد عام 2014 محاولة من وزارة التضامن الاجتماعى لتوفيق أوضاع هذه الجمعيات وفقا للقانون 84 لسنة 2002، وإلزامها بعدم تلقى أموال من الخارج إلا أن سيل التمويل الخارجى ظل مستمرًا حتى جاء القانون الأخير الذى تقدم به النائب الدكتور عبدالهادى القصبى رئيس لجنة الشئون الاجتماعية بمجلس النواب وتمت مناقشته فى المجلس وإقراره مؤخرا حيث أكد القصبى فى مشروعه أن هذا القانون سيمنع أى منظمة من تلقى أموال من الخارج، إلا أن منظمات المجتمع المدنى اعترضت على هذا القانون واعتبرته مقيدا بل ومقوضا للعمل الأهلى فى مصر، حيث رفضته 22 منظمة وأصدرت بيانًا أكدت فيه أن هذا القانون يضر بالعمل الأهلى، ويحيل أمر إدارتها للجهة الإدارية والأجهزة الأمنية، وأشارت المنظمات فى بيانها إلى أن هذا القانون جاء مخيبا لآمال المنظمات التى كانت تتمنى قانون يشجع العمل الأهلى ولا يقوضه.

والقانون الذى جاء فى 89 مادة ينظم عمل الجمعيات الأهلية وتلقيها التبرعات والعقوبات التى من المفترض أن توقع على الجمعيات المخالفة، إلا أن هذا القانون قوبل بعاصفة رفض من القائمين على أمر جمعيات المجتمع المدنى لأنه يهدد العمل الأهلى بشكل عام، وهو ما يؤكده طارق زغلول مدير المنظمة المصرية لحقوق الانسان مشيرًا إلى أن القانون الجديد جاء مخالفا لكل التوقعات ولم يتم عمل حوار مجتمعى حوله، كما أنه يخالف كافة الاتفاقيات التى وقعت عليها مصر والتوصيات الصادرة عن المجلس الدولى لحقوق الإنسان، كما أنه سيضر بسمعة مصر ويقضى على العمل الأهلى تمامًا، كما أن شبهات عدم الدستورية تحوم حوله بسبب عدم خضوعه للحوار المجتمعى كما أنه تم سلقه داخل البرلمان، وأشار إلى أن المنظمات الأهلية فى حالة انعقاد دائم لاتخاذ قرار بشأنه سواء بإقامة دعوى عدم دستورية ضده، ودراسة المواقف التى يمكن اتخاذها كرفع شكوى لرئيس الجمهورية، خاصة أنه كان هناك مشروع قانون توافقى وافقت عليه المنظمات والحكومة إبان تولى الدكتور أحمد البرعى وزارة التضامن الاجتماعى وقد كان مشروع قانون تم إعداده بمشاركة المنظمات والوزارة، ورغم وجود بعض المواد التى اعترضت المنظمات عليها وأصرت عليها الحكومة إلا أنه كان أفضل من هذا القانون الذى تم سلقه فى البرلمان دون ان يعلم عنه أحد شيئا.

وأضاف أن الحكومة كانت قد تقدمت من قبل بمشروع قانون، ومع ذلك فوجئنا بالبرلمان يوافق على مشروع آخر دون إعلان عنه.

فيما يرى محمد زارع الناشط الحقوقى ومدير المنظمة العربية للإصلاح الجنائى أن هذا القانون يعد بمثابة ضربة قاضية للعمل الأهلى، فرغم إعلان البرلمان من قبل أن القانون لا يحتوى على أى عقوبات سالبة للحريات إلا أن القانون الجديد ينص فى المادة 87 على أن يعاقب بالحبس مدة تتراوح بين سنة وخمس سنوات وغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه ولا تزيد علي مليون جنيها كل من عاون أو شارك منظمة أجنبية فى ممارسة نشاط أهلى فى مصر دون الحصول على تصريح أو إجراء أى بحوث ميدانية أو استطلاعات رأى فى مجال العمل الأهلى دون الحصول على موافقة مسبقة.

وتعاقب المادة 88 بالحبس لمدة لا تزيد علي سنة وغرامة تتراوح بين 20 ألف جنيه و50 ألف جنيه كل من ارتكب جرائم كنقل مقر الجمعية إلى مكان جديد بخلاف المكان المخطر به من قبل، وهذه عقوبة كبيرة جدا، كما امتد الحبس ليشمل موظفى الدولة المسئولين عن منح التراخيص حيث ينص القانون على حبس الموظف الذى يمنح الترخيص لشركة إذا ثبت أنها تشارك فى أى نشاط مدنى.

وأوضح أن القانون يضع قيودا على عمل المنظمات حيث تحظر المادة 21 من القانون على الجمعيات فتح مقرات أو مكاتب تابعة لها فى أى من محافظات الجمهورية إلا بعد موافقة كتابية مسبقة من الوزير، كما تشترط المادة 23 إخطار الجهة الإدارية قبل تلقى أى تبرعات من داخل مصر بثلاثين يومًا وصدور الموافقة اللازمة لذلك، كما حظر القانون على المنظمات ممارسة اى نشاط يدخل فى عمل الأحزاب أو النقابات المهنية والعمالية ولكن القانون لم يحدد طبيعة هذه الأنشطة.

واشترطت المادة 14 على الجمعيات العمل وفقا لخطة الدولة واحتياجاتها التنموية، كما استحدث القانون إنشاء هيئة جديدة تحت مسمى الجهاز القومى لتنظيم عمل المنظمات الأجنبية غير الحكومية، ويختص بالموافقة على عمل المنظمات الأجنبية والتصريح بالحصول على أموال أو تمويلات من الخارج، والتأكد من إنفاقها فى الأغراض المخصصة لها، بالإضافة إلى تلقى إخطار التمويل المحلى، على أن يصدر قرار بتشكيل الجهاز من رئيس الجمهورية، برئاسة رئيس متفرغ وعضوية ممثلين عن وزارات الخارجية والدفاع والعدل والداخلية والتعاون الدولى وممثلى الوزارات المختصة، وممثل للمخابرات العامة وآخر للبنك المركزى وممثل لكل من وحدة غسيل الأموال وهيئة الرقابة الإدارية، وأبدى زارع تعجبه من تشكيل الجهاز بهذا الشكل المرعب الذى لن يفيد العمل الأهلى بل سيقيد عمله أكثر وستتساوى فى ذلك المنظمات العاملة فى مجال حقوق الإنسان وبحوث الرأى والمنظمات المحلية الخدمية.

من ناحية أخرى يرى هانى هلال رئيس ائتلاف حقوق الطفل أن هذا القانون سيقوض العمل الأهلى كله، فنحن كمنظمات أهلية لا نمانع أن تتم مراقبة التمويل وأوجه الانفاق من خلال الجهاز المركزى للمحاسبات وزارة التضامن الاجتماعى وهو ما يحدث بالفعل، ولكن القانون تضمن قيودا كثيرة على العمل الأهلى ستؤثر على كل المنظمات العاملة فى هذا المجال، حيث شدد القانون الجديد الإجراءات التى يجب على الجمعيات اتباعها، فقد كان القانون القديم ينص على أنه فى حالة طلب الجمعية تلقى تمويل وعدم رد الجهة الإدارية خلال 60 يومًا فهذا يعتبر موافقة، إلا أن القانون الجديد اعتبر أن عدم الرد خلال هذه المهلة يعنى الرفض، أى أن الجمعية تنتظر كل هذه الفترة وفى النهاية لا ترفض الجهة الادارية وهذا تعطيل للعمل الأهلى.

كما أن القانون لم يتضمن فى تعريفاته أى منظمة تتعلق بالحقوق وكأن الجمعيات الاهلية لا تعمل إلا فى مجال تقديم الأعمال الخيرية وهذه مرحلة متأخرة جدا من العمل الأهلى، كذلك تضمن القانون نصوصًا فضفاضة مثل الإضرار بالأمن القومى مع عدم تحديد الأعمال التى تضر بالأمن القومى مما يجعل أى عمل يمكن أن يدرج تحت هذا التصنيف، وسيجعل الجمعيات خاضعة لأهواء الجهات الأمنية.

وأكد على خطورة وجود عقوبات بالحبس والغرامة فى القانون الجديد خاصة فى حالة إجراء بحوث ميدانية او استطلاعات للرأى أو التعاون مع منظمات أجنبية بما فى ذلك المنظمات التابعة للأمم المتحدة بدون اذن مسبق، وهذا قد يعرض العلاقات المصرية الدولية لأزمات كبيرة، خاصة أن الأمم المتحدة منظمة دولية ولها مكاتب بالقاهرة، والتعاون مع هذه الجهات فى القوانين السابقة لم يكن عليه أى قيود، أما المنظمات الدولية التى لا توجد لها مكاتب فى مصر وغير موقعة على اتفاقيات معها فالتعاون معها كان يتم بعد موافقة الجهة الإدارية، ولذلك فهذا القانون يعيد العمل الأهلى للوراء ويجعل المنظمات الأهلية تابعة للجهة الحكومية، ويؤكد أن الدولة لا تنظر للمنظمات الأهلية على أنها شريك فى عملية التنمية وإنما عدو يجب محاربته وتقييد عمله.

المستشار «أبوشقة» رئيس اللجنة التشريعية بمجلس النواب:

أكد المستشار بهاء أبوشقة رئيس اللجنة التشريعية بمجلس النواب وسكرتير عام حزب الوفد أن قانون الجمعيات الجديد يسد ثغرة خطيرة فى عمل الجمعيات الأهلية فى مصر.. وقال «القانون بشكل عام يتلافى أهم ما أسفر عنه عمل الجمعيات الأهلية خلال السنوات الماضية، فلا ينكر أحد أن عدداً من الجمعيات فى مصر تلقت أموالاً مشبوهة، واستغلت تلك الأموال فى تمويل عمليات مشبوهة، وأمام هذا الحال لم يكن للسلطة التشريعية أن تقف عاجزة أو مكتوفة الأيدى، وتترك الأمور على هذا الوضع الخطير، ومن هنا جاء إصدار تشريع جديد يسد ثغرة التمويل المشبوهة للجمعيات الأهلية، وهى الثغرة التى كانت تمثل إضراراً بأمن وسلامة الوطن والمواطنين».

وتابع «القانون لا يتضمن أية قيود على العمل الأهلى، بالعكس يشجع عمل الجمعيات الأهلية فى تطوير مجالات الصحة والتعليم والزراعة والبيئة وغيرها، وفى ذات الوقت يقر حق الدولة فى أن تعرف مصادر تمويل الجمعيات الأهلية وأوجه إنفاقها تلك التمويلات، وهذا حق أصيل من حقوق الدولة».

وأضاف «قانون الجمعيات قبل إصداره خضع لدراسات ومناقشات مستفيضة، ففى اللجنة التشريعية فى البرلمان، يخضع كل مشروع قانون إلى دراسة من أربع زوايا مختلفة الأولى تتعلق بدراسة النصوص القانونية القديمة التى تتعلق بالقضية التى يعالجها مشروع القانون، يعقبها دراسة التطور التاريخى لتلك النصوص، ثم دراسة القوانين المماثلة فى الدول المختلفة، وأخيراً تأتى دراسة النص القانونى المقترح، وعلى مدى جلسات عديدة فى اللجنة التشريعية يتم مناقشة مشروع القانون، وبعد انتهاء المناقشات وبلورتها فى صيغة نهائية يتم إرسال مشروع القانون لمجلس الدولة -طبقاً لنص المادة 190 من الدستور- لكى يدلى برأيه فى الصياغة ويبحث فى مدى دستورية النصوص المقدمة إليه، ويكون رأى مجلس الدولة استشارياً، لأن التشريع فى النهاية هو مسئولية البرلمان وحده، وبعد أن يعيد مجلس الدولة مشروع القانون للبرلمان، يتم عرض مشروع القانون على البرلمان، حيث يخضع لمناقشات موسعة، وبعد نهاية المناقشات يتم إقرار المشروع وفقاً لما تنتهى إليه مناقشات أعضاء البرلمان».

«محمد عبدالعليم داود» صاحب أقوى المعارك ضد التمويل الأجنبى:

قال محمد عبدالعليم داود وكيل مجلس الشعب السابق، وصاحب أقوى المعارك ضد منظمات التمويل الأجنبى، إن «قانون الجمعيات القديم كان يحظر خلط العمل الحزبى بعمل الجمعيات الأهلية، ورغم ذلك تواطأ بعض موظفى وزارة الشئون الاجتماعية المسئولين عن الرقابة على الجمعيات وسمحوا لعدد من منظمات المجتمع المدنى أن تخترق الأحزاب السياسية والنقابات المهنية، فتحولت تلك المنظمات ممراً آمناً لتسلل الأموال الأجنبية إلى العمل السياسى والنقابى، رغم مخالفة ذلك للدستور وللقانون المصرى، بل إن القانون الأمريكى نفسه يحظر على منظمات المجتمع المدنى أن تمارس عملاً سياسياً، والثابت تاريخياً أن السودان تقسمت إلى دولتين شمالية وجنوبية نتيجة لانخراط منظمات المجتمع المدنى فى العمل السياسى، نفس الحال تكرر فى العراق الذى اخترق التمويل الأجنبى أحزابها مما أدى لتفتيت العراق بين السنة والشيعة والأكراد».

وأضاف داود: «النقطة الجوهرية الفاصلة فى قضية الجمعيات الأهلية، هو ألا تختلط أموال الجمعيات بالعمل السياسى والحزبى، وهذا يتم بضبط العملية الرقابية على تمويلات الجمعيات الأهلية، وهو ما عجزت عن تحقيقه كل الحكومات المتعاقبة على مصر منذ عهد مبارك حتى الآن مروراً بفترة حكم المجلس العسكرى ومحمد مرسى وعدلى منصور».

وأشاد داود بالمادة 15 من قانون الجمعيات الجديد وهى المادة التى تُخضع رؤساء ومديرى وأعضاء مجالس إدارات الجمعيات الأهلية لقانون الكسب غير المشروع، مؤكدا أن هذه المادة ستكشف سر الثروات الطائلة التى حققها محترفو التمويل الأجنبى نتيجة تلقيهم تمويلات خارجية لتنفيذ أجندات غربية يمليها عليهم الممولون.